الصفحة الرئيسية

النضج العاطفي-الجنسي وأثره على الوفاق الزواجي

انت تشاهد > هو وهي :

النضج العاطفي-الجنسي وأثره على الوفاق الزواجي




الإنسان هو في علاقة منذ البدء وفي الأساس، منذ أن كان جنيناً. من خلال هذه العلاقة،أو نظام العلافات يعرف ذاته،ويحدد هويته،كما تتحدد توجهات حاجاته وربما العاطفية والجنسية ومستوى نضجها. فالنضج العاطفي والقدرة على الارتباط
الوثيق الذي يحمل الرضى والتوافق، والنضج الجنسي الذي يحمل الاشباعات ويعزز الرباط الزوجي،ليسا مسألتين حتميتين تعطيان بيولوجياً،ويكفي مجرد النضج الجسمي لضمان نجاحهما وفاعليتهما.إنهما نتاج الصحة الجسمية بالطبع، الا أنهما يتشكلان في سوائهما واضطرابهما بالتاريخ الشخصي بكل محمولاته العلائقية.
لا يكفي اذاً أن يصل الانسان سن الرشد الجسمي حتى يرتقي الى مستوى الرشد العاطفي-الجنسي. فهذه مسألة أخرى تتعرض للعديد جداً من المتغيرات والخبرات الوجدانية والعلائقية في إيجابياتها وسلبياتها,وتكون في فرادتها الشخصية محصلة لها.
لن نتحدث هذا المقام عن الاضطرابات العاطفية-الجنسية ذات الطابع المرضي الصريح.فهذه لها كتاباتها المتخصصة.وإنما سنقتصر على حالات الوفاق والاضطراب التي تصادف عند الناس الأصحاء,أو مايطلق عليها"اضطرابات الناس الأسوياء".وهي تتفاوت بالطبع في بروزها أوخفائها,كما في شدتها تبعاً لمختلف الحالات ولتاريخ كل منها الفريد.كما أنها تتفاوت,بالمقدار ذاته,تبعاً لنوعية العلاقة العاطفية-الجنسية القائمة بين الزوجين.إذ من المعروف أن الرباط الزوجي قادر على تصحيح,وعلاج الكثير من هذه الاضطرابات الصغرى,إذ حدث تكامل بين دوافع ورغبات الزوجين.كما أن هذا الرباط ذاته قد يفاقم من هذه الاضطرابات إذا لم يحدث مثل هذا التلاقي في الدوافع والرغبات بين الطرفين.وهذا مايفسر لنا لماذا يفشل الرباط الزوجي بين شخصين ناضجين جسمياً وعاطفياً,بينما ينجح رباط آخر مع شخص آخر.
اكثر ما يعنينا على دراسة النضج العاطفي-الجنسي وقواه المحركة، واتجاهاته المتباينة النظرية السيكودينامية,ونظرية التعلق.فهاتان النظريتان هما اللتان درستا بعمق وغنى غير مسبوقين تكون الرباط الإنساني ونضج العلاقات العاطفية-الجنسية واضطراباتهما،وما يسندهما من رغبات،وأحلام وهوامات ودلالات وديناميات.
أما نظرية التعلق التي وضعها بولبي فتبين الأهمية المحورية للرباط العاطفي مع الأم في الطفولة الأولى في النضج النفسي كما سبق بيانه.فإذا حظي الطفل بالقبول غير المشروط والرعاية في علاقة وثيقة ومستقرة مع الأم تتكون لديه الطمأنينة القاعدية,وينمو المفهوم الايجابي عن الذات والعلاقات والدنيا عموماً.انه يصبح قادراً على الانفتاح الإيجابي على العالم,ويبدي المبادرة ويتمكن من الوصول الى الاستقلالية,كما تنمو ثقته بنفسه وبالآخرين.وهو ما يطلق عملية نموه العاطفي والاجتماعي والمعرفي سواء بسواء.وبالتالي فان متانة الروابط الأولية مع الأم ثم الوالدين والأهل التي تصنع أسس النضج النفسي هي ذأتها التي توفر شروط النضج العاطفي-الجنسي، باعتبارهما ارتباط انساني في المقام الأول.
وفي المفابل تبين حالات الانفصال عن الأم في سنوات العمر الحرجة، أو تدني نوعية العلاقة العاطفية معها ومع الأشخاص الذين يعتنون به، أن لها آثارها اللاحقة على مستوى النضج العاطفي-الجنسي.يتضح ذلك من الدراسة الاكلينيكية للاطفال الذين نشأوا في ملاجىء أو دور رعاية لا توفر الروابط المتينة مع بدائل الأم.يلاحظ على هؤلاء استمرار حالة من التبعية الطفلية حين يكبرون تبعاً لدرجة الحرمان.كما يلاحظ عليهم قصور في قدراتهم على اقامة روابط عاطفية وجنسية ناضجة وراشدة.ويتخذ الحرمان العاطفي خلال سنوات المراهقة اما طابع عدم الاكتراث الملفت للنظر بالأمور الجنسية والرغبة في المعرفة حولها، أو على العكس طابع الإفراط في الإثارة الجنسية التي تهدف في المقام الأول الى البحث عن تلقي الحنان والعطف والاهتمام,إضافة الى ما توفره هذه الاثارة من عزاء وسلوى تعوض عن الفراغ الوجودي الملازم لقلق الانفصال.
قد يخال الملاحظ غير الخبير أننا هنا بصدد وعي جنسي مبكر.الأ أن الواقع هو أننا بصدد اثارة قهرية تبحث عن التعويض العاطفي.وهو ما يجعل هؤلاء الناشئين ضحايا جنسبة محتملة من قبل المستغلين ليس بدافع الإشباع الجنسي،بل بدافع البحث عن الحب.ويصدق الأمر ذاته على الأطفال الذين تعرضوا لدرجات عالية نسبياً من الاهمال العاطفي من قبل الوالدبن.نحن هنا، بإزاء قصور في النضج أكثر مما هو نضج أو تفتح مبكرين.وبالطبع فان اَثار هذه الحالة ستنعكس على الرباط الزوجي اللاحق.
وفي المقابل فان التعرض لصدمات عاطفية شديدة في الطفولة من مثل الفقدان المفجع لأحد الوالدين، أو التعرض المكرر لحالات العنف الزوجي بين الوالدين وما يحيط بها من تهديد لأمن الطفل وطمأنينته النفسية قد تدفع بعض الفتيات الى إدارة الظهر للحياة العاطفية-الجنسية اللاحقة،حين يتخذ الرباط الزوجي طابع الاْعتداء العنيف على الأم-الضحية.قد تتخذ العلاقة الزوجية-الجنسية اللاحقة في هذه الحالة طابع العدوان المهدد الذي يلحق الأذى بالمرأة،وهو ما قد يؤسس للهروب من التماهي الأنثوي وقبول الهوية والدور الأنثويين.
وقد تزوج الواحدة من هؤلاء اجرائياً.الأ أنها قد تعجز بثأثير من الدفاعات النفسية ضد قلق الاعتداء الدفين عن القيام بأعباء الدور العاطفي-الجنسي.ويصدق الأمر ذاته على الصبي حيث قد يضطرب مفهوم الرباط العاطفي-الجنسي عنده متخذاً أشحالاً مختلفة من السادية،أو العجز.المهم أنه في معظم هذه الحالات يضطرب نمو الهوية الجنسية بدرجات متفاوتة،مما يعيق النضج العاطفي-الجنسي، والقدرة على إقامة علاقات زوجية مستقرة،توفر الإرضاء والإشباع للطرفين.
وتطرح النظرية السيكودينامية من جانبها العديد من القضايا المتعلقة بالصحة العاطفية-الجنسية.قد يكون من أبرزها تعثر الاستقلال النفسي عن الوالدين أو أحدهما من خلال استمرار مختلف حالات التعلق الطفلي
الأم التملكية على سبيل المثال، تحول دون استقلال ابنها عنها. وتجهد من خلال أغراقه العاطفي واغداق الرعاية والعناية عليه، على استمرار العلاقة الذوبانية بينه وبينها.وهو ما يبقيه في حالة من التبعية الطفلية على الصعيد العاطفي،حتى ولو تقدم في مراحل الرشد الاجتماعي.وتحول هذه التبعية دونه و اقامة رباط عاطفي-جنسي مستقل وراثشد.واذا حدث فلا يندر أن يبحث بشكل لا واع عن قرين على غرار صورة الأم،أو قرين يتعين عليها أن تمثل الأم في خصائصها وسلوكها.وبالتالي فالرباط الزوجي يظل في هذه الحالة رهيناً لذلك التعلق اللاواعي بالأم.وهو ما يؤدي الى مختلف ألوان سوء التوافق العاطفي-الجنسي،حيث لا يمكن للبديل أن يحل فعلاً محل الأصيل.ويضاف الى ذلك ما يحيط بمثل هذه العلاقة الزوجية من مشاعر ذنب لا واعية بمقادير شتى،مما يؤدي الى عرقلة اسرارها وتوطدها ونموها، كما قد يعيق الحصول على الإرضاء المفترض من خلالها.وتمثل العلاقة الأوديبية المعروفة من قبل الابن،حالة مثيلة لحالة التملك من قبل الأم في اَثارها وأزماتها.يبحث الزوج عن قرين يمثل بديلاً للأم في الملامح أو الصفات،أو السلوكات.ويظل الرباط بديلا عوضاً عن أن يكون أصيلاً،قائماً لذاته.ويفتح هذا السبيلأنواع مختلفة من مأزق الرباط الزوجي بعد فترة لا تطول، وخصوصاً اذا أصرت الزوجة على حقها الطبيعي في أن تكون علاقاتها الزوجية أصيلة،غير ملغومة بدوافع التعلق الطفلي اللاواعي بالأم.
وتقابل العلاقة بالأب نفس الاحتمالات والمأزق بالنسبة للبنت اذا لم يتح الأب لها الاستقلال العاطفي عنه،أو لم تتمكن هي من تجاوز هذه العلاقة من خلال التماهي بالأم والعبور الى الرشد والنضج مثلها.
وتؤدي العلاقة التسلطية من قبل كل من الوالدين الى احتمالات أخرى لاضطراب النضج العاطفي-الجنسي.فالأب المتسلط على سبيل المثال قد يجعل عملية تماهي ابنه به صعبة، مما يعرقل عبور.الى الاستقلال النفسي العاطفي من خلال بناء هويته الذكرية على غرار الأب.وقد يفشل في الوصول الى النضج الذي يتمثل في أن يصبح رجلاً كأبيه،ويبقى في حالات متنوعة من التبعية الطفلية التي قد لا تخوله اقامة رباط زوجي مستقل وراشد.
وكذلك هو الامر بالنسبة للفتاة التي يحول التسلط المفرط دون وصولها الى بناء كيان مستقل يتيح لها القيام بأعباء الحياة الزوجية الراشدة، ليس حياتياً فقط، بل عاطفياً-جنسياً؟"كذلك.وخصوصاً اذا رافق هذا التسلط جرعات كبيرة من التأثيم والإخضاع.
وقد تلعب الاْم المتسلطة دوراً معطلاً لنمو ابنها العاطفي-الجنسي من خلال طبعه على علاقة وضوحية مع الجنس الآخر.وهو ما يورط الرباط الزوجي المقبل في العديد من الإشكلات مع زوجة تبحث عن علاقة متكافئة مع الزوج، أو علاقة حماية لها من قبله.لن يستطيع الزوج عندها تلبية متطلبات دوره الزوجي عاطفياً وجنسياً.والأمر ذاته قد يحدث بأشكال مغايرة من خلال اضطراب الهوية الأنثوية عند البنت في بعد الرقة والحنان المتوقعين منها في العلاقة الزوجية.
وتحمل حالات الاجداب العاطفي في علاقات الوالدين بالأبناء إمكانية اعادة إنتاجها عند هؤلاء حين يكبرون.فهم قد يعجزون بمقادير متفاوتهَ (ومن كلا الجنسين)عن التمتع بالدفء العاطفي والقدرة على الانفتاح على الآخر، والارتباط الغني وجدانياً وجنسياً معه.وهو ما يعرض الروابط الزوجية الى احباطات وخيبات أمل متنوعة لا يندر أن تصل الى حدود المأزق، بسبب من تدني القدرة على التبادل العاطفي أخذاً وعطاء وإرضاء.
وقد يحمل التدريب على الفطام والنظافة بدور عرقلة النضج العاطفي-الجنسي بدوره.فمن المعروف أن الرضاعة ليست مجرد حصول على الحليب واشباع الحاجة الفسيولوجية للطعام، بل هو تجربة وجودية كلية يرتبط فيها الحليب بالحب والاحساس بالدفء والرعاية والتواصل المكثف جسدياً ولغوياً بين الأم والطفل.وتهيئ هذه التجربة ذات النوعية الغنية علائقياً ووجودياً لغرس بذور الحياة العاطفية الغنية والمعطاءة في سن الرشد.وعلى العكس فقد يولد الفطام المبكر والمفاجىء حالة من التثبيت على المرحلة الفمية إلتي لم تحظ بالإشباع الكافي الذي يهيىء المجال لتجاوزها.هنا قد يظل الشخص، ولو أصبح راشداً، على تعطشه للتعلق الطفلي-المتلقي بشكل واع أو لا واع، مما لا يمكنه، ربما، من توفير شروط التبادلية في العطاء التي يتطلبها الرباط الزوجي.
تشكل حالات الانشطار ما بين العاطفة والرغبة الجنسية حالة بارزة من حالات تصور النضج على هذا المستوى.ففي حالات الصحة النفسية يتكامل هذان البعدان في توجه واحد نحو علاقة واحدة مع قرين من الجنس الأخر,تتصف بالاستقرار والقد رة على توفير كل من الارضاء العاطفي واشباع الحاجات الجنسية.الأ أن هذا التكامل قد لا يتحقق خلال عملية النمو والدخول في مرحلة الرشد.ونجد عندها أنفسنا بإزاء حالات ينشط فيها كل من بعدي العلاقة باستقلال متفاوت في مقاديره عن البعد الاَخر.فالشخص من الجنس الاَخر الذي يمكن أن يستقطب العاطفة والحب، ليس هو الشخص عينه الذي يشكل موضوع الرغبة الجنسية.وقد يحدث أن يحب الواحد من هؤلاء شخصأ معيناً ويشعر تجاهه بعلاقات عاطفية رقيقة.بينما هو ينجذب جنسياً الى شخص اَخر ذي خصائص مغايرة كلياً.ويغلب أن يرتبط زوجياً بشخص من النوع الأول على أساس عاطفي،أو اجتماعي،أو عقلاني،بينما تظل رغبته الجنسية غير مشبعة بما يكفي.وهو ما يفتح بالطبع مختلف ألوان الإزدواجية في السلوك، واحتمال تعدد العلاقات، مما يلغم الرباط الزوجي.نحن هنا بإزاء حالة التناقض ما بين الواقع والرغبة.
ليس هنا مجال الخوض في الأسباب المعقدة لحالة الإنشطار هذه.إلا أنها أحد أوجه قصور النضج على هذا المستوى، والذي يمكن ان يتخد اوجهاً أخرى من مثل تعدد الرغبات تجاه الجنس الآخر.وتعدد الأدوار المتوقعة التي تتوزع على عدة أشخاص.ففي حالات النضج العاطفي الجنسي المميزة للصحة النفسية يمثل كل من الزوجين عدة أدوار، ويشبع عدة رغبات للزوج الاَخر في الاَن عينه أو على التوالي.فالزوجة هي القرين والشريك والأم والطفلة.والزوج هو كذلك مزيج من هذا كله تبعاًللظروف ولحاجات الطرف الاخر وتطور العلاقة الزوجية . انه القرين والشريك والاب والطفل .
تعدد الادوار هذا يسبغ على الحياة العاطفية –الجنسية تنوعها وغناها وقدرتها على تجديد الاشباع وتوثيق الروابط . الا ان الانشطار قد يصيب هذه الادوار على الصعيدين العاطفي والجنسي . وهو ما يفتح المجال امام العديد من الازمات .
جيحدث ذلك حين يتم الارتباط بين زوجين لا يحقق احدهما او كلاهما الا دورا واحدا ,ولا يكون موضوع رغبة الا على صعيد واحد . هذه الاحادية لا بد ان تستوفي غاياتها وتستنزف بعد فترة متفاوتة في مداها من الزواج مفسحة المجال لبروز ادوار اخرى ورغبات ظلت معلقة او دفينة تتطلب الاشباع ,وهو ما يؤدي الى مختلف حالات البرود والتباعد في الرباط الزوجي , الذي يتحول الى نوع من التعايش , او يؤدي الى بروز انواع من الاحباطات العااطفية والجنسية حيث يشعر احد الزوجين ان حماس البداية , واحلام دوام السعادة لم تصمد امام تحولات الواقع , وما كان موضوع حلم ورغبة قد يتحول بالتالي الى عقبة وجودية , تسقط عليها كل احباطات الحياة في الزواج وخارجه .
ان تكامل الرغبات والادوار يحتج عموما الى مستوى متين من الصحة النفسية والنضج , ممما لا يتوفر للكثيرين . وهو ما يجعل في الحالات العادية الاختيار الزوجي غير كامل , ويحتاج بالتالي الى جهد هام لصيانة استمرارية الرباط الزوجي وتعزيزه واغنائه .والواقع ان يندر ان تتمكن علاقة واحدة من استيعاب كامل دوافع العاطفة والرغبة على الدوام . من هنا القول بان الوفاق الزوجي ليس امرا يعطى بل هو جدارة تبنى , انطلاقا من مستوى النضج والقدرة على الاشباع المتبادل , ومرورا بأرادة التوافق مع الاخر والتنبه لاوضاعه وحاجاته ومراعاتها .
Balagh.com


مشاهدات
1022
التعليقات
0


Sponsor
Instant Download

شارك مع اصدقائك النضج العاطفي-الجنسي وأثره على الوفاق الزواجي



Share |
  • شارك مع اصدقائك
  • في اي موقع
  • في اي منتدي
  • رابط قصير (استخدمه للوصول الي هذه الصفحة مرة اخري)
اضافة تعليق
اسمك
بريدك الالكتروني
التعليق